عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
1964
بغية الطلب في تاريخ حلب
كانت لأبيه وأن تكون الأموال للفرنج وطال حصار حلب وأشرفت على الاستيلاء عليها وبلغ بهم الضر إلى حالة عظيمة حتى أكلوا الميتات والجيف ووقع فيهم المرض فحكى لي والدي أنهم كانوا في وقت الحصار مطرحين من المرض في أزقة البلد فإذا زحف الفرنج وضرب بوق الفزع قاموا كأنما نشطوا من عقال وقاتلوا حتى يردوا الفرنج ثم يعود كل واحد من المرضى إلى فراشه وما زالوا في هذه الشدة إلى أن أعانهم الله بقسيم الدولة آق سنقر البرسقي فأخلص النية لله في نصرتهم ووصل إلى حلب في ذي الحجة من سنة ثمان عشرة وخمسمائة وأغاث أهلها ورحل العدو عنها وكانت رغبات الملوك فيها إذ ذاك قليلة لمجاورة الفرنج لها وخراب بلدها وقلة ريعه واحتياج من يكون مستوليا عليها إلى الخزائن والأموال والنفقة في الجند فأخبرني والدي أبو الحسن أحمد وعمي أبو غانم محمد وحديث أحدهما ربما يزيد على الآخر قالا سمعنا جدك يعنيان أباهما أبا الفضل هبة الله يقول لما اشتد الحصار على حلب وقلت الأقوات بها وضاق الأمر بهم اتفق رأيهم على أن يسيروا أبي القاضي أبا غانم قاضي حلب والشريف زهرة وابن الجلى إلى حسام الدين تمرتاش إلى ماردين وكان هو المتولي حلب وهي في أيدي نوابه وقد تركها ومضى إلى ماردين واشتغل بملك تلك البلاد عن حلب قال فاتفقوا على ذلك وأخرجوا أبي والشريف وابن الجلى ليلا من البلد فلما أصبح الصباح صاح الفرنج إلى أهل البلد أين قاضيكم وأين شريفكم قال فانقطعت ظهورنا وتشوشت قلوبنا وأيقنا بأنهم ظفروا بهم فوصلنا منهم كتاب يخبر أنهم قد وصلوا إلى مكان أمن عليهم بالوصول فطابت قلوب أهل حلب لذلك قال عمي ووالدي فسمعنا والدنا يقول سمعت أبي أبا غانم يقول لما وصلنا إلى ماردين ودخلنا على حسام الدين تمرتاش وذكرنا له ما حل بأهل حلب وما هم فيه من ضيق الحصار والصبر وعدنا بالنصر وأنه يتوجه إليها ويرحل الفرنج عنها وأنزلنا في مكان بماردين وجعلنا نطالبه بما وعد وهو يدافعنا من يوم إلى يوم وكان آخر كلامه أن قال خلوهم إذا أخذوا حلب عدت وأخذتها فقلنا في أنفسنا